show

عانى لبنان على مدار 6 سنوات من التداعيات الاقتصادية للحرب الأهلية السورية في الجوار. والآن، يأمل أن يستفيد من إعادة إعمار جارته الكبرى، عن طريق جذب مستثمرٍ جديدٍ قوي هو الصين.

 

ويقول ساسةٌ ومصرفيون لبنانيون، إنَّ بكين لديها اهتمام متزايد بالبلاد، وذلك مع زيارة 4 وفود صينية للدولة العربية الصغيرة العام الماضي، 2016، حسبما نقل عنهم تقرير لصحيفة فايننشيال تايمز البريطانية.

لماذا يفضّل الصينيون لبنان؟

ورُبِطت رحلة نظَّمها مصرف "فرنسبنك" اللبناني، في مايو/أيار 2017، بمبادرة "طريق الحرير" الصينية لربط التجارة بين آسيا وأوروبا.

لكنَّ مراقبين يعتقدون أنَّ إعادة إعمار سوريا التي مزَّقتها الحرب هي ما تجذب انتباه بكين.

ويقول اللبنانيون إنَّ بلدهم قريبٌ بما يكفي ليكون مركزاً مفيداً لسوريا، وفي الوقت نفسه بعيدٌ بما يكفي كي يُمكِّن بكين من بدء الاستعداد لإعادة الإعمار، دون أن تواجه انتقاداً من القوى الغربية التي تخشى من أنَّ يكون تمويل المشروعاتٍ في سوريا من شأنه أن يُضفي الشرعية على حكومة بشار الأسد قبل التوصُّل إلى اتفاق نهائي مع المعارضة.

فقد قال أحد الساسة اللبنانيين، الذي رافق الوفد الصيني الأخير وطلب عدم الكشف عن هُويته: "إنَّ ذلك يضع لبنان في موقعٍ استراتيجي للغاية، فيما يتعلَّق بالبحث عن فرص في سوريا ما بعد الحرب. إنَّنا نتحدث عن مليارات ومليارات من الدولارات".

200 مليار دولار

ويُقدِّر البنك الدولي أنَّ تكلفة إعادة بناء المدن السورية التي دمَّرها القصف ستبلغ 200 مليار دولار، ويستميت اللبنانيون للحصول على دفعةٍ منها لاقتصادهم المُتعثِّر. ويستضيف البلد الصغير المُطل على البحر المتوسط، الذي يبلغ عدد سكانه 4 ملايين نسمة، مليون ونصف المليون لاجئ سوري، وتراجع نموه الاقتصادي من 8% عام 2010 -العام الذي سبق اندلاع الحرب السورية- إلى 1% العام الماضي 2016.

ومع ذلك، يُحذِّر دبلوماسيون وعمال إغاثة من أنَّ الحديث عن إعادة الإعمار في سوريا سابق لأوانه؛ فالحرب مستمرة ولا توجد أي إشارة على تسوية سياسية يقول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إنَّها ضرورية، قبل دفع الأموال في مثل تلك الجهود.

وقال مسؤولٌ إنساني إقليمي: "يقول الصينيون إنَّ لديهم المال، لكنَّهم لن يكونوا مستعدين للاستثمار بشكلٍ حقيقي في سوريا، حتى يشعروا بأنَّه سيكون هناك اتفاقٌ سياسي. إنَّهم حريصون على ألّا يضعوا أنفسهم في مواجهة المجتمع الدولي".

ويقول لي ويجيان، الأستاذ بمعهد شنغهاي للدراسات الدولية، إنَّ الصين ستسعى للمساعدة في إعادة بناء سوريا "إذا ما كانت الظروف مناسبة وهدأت الحرب الأهلية".

ويضيف: "تستثمر الصين في الشرق الأوسط منذ سنوات عديدة، تماماً مثل باقي العالم"، لكنَّه أضاف إشارةً تدعو للحذر. قائلاً: "وحتى لو كانت هناك هدنة، فإنَّ عامل الأمان سيظل مسألةً محل شك".

وكشف بعض الدبلوماسيين أن أوروبا، التي تتوق لوقف تدفُّق اللاجئين السوريين، بالفعل تُموِّل بهدوءٍ جهود إحلال الاستقرار. ويتَّخذ رجال الأعمال الإقليميون أيضاً مواقعهم مع سيطرة قوات الأسد الآن على كافة المدن السورية الرئيسية تقريباً.

ويقول جورج أندراوس، مسؤول العلاقات الدولية في مصرف فرنسبنك، الذي تُظهِر بطاقة عمله اسمه مكتوباً بكلٍّ من اللغة الإنكليزية ولغة الماندرين الصينية: "علينا -كلبنان وكقطاع مصرفي- أن نُجهِّز أنفسنا لليوم الذي يحدث فيه ذلك لنقول نحن جاهزون، وإنَّنا لن نُفوِّت الفرصة".

 

ميناء سوريا بلبنان

وترى ريا الحسن، رئيسة هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة في ميناء طرابلس شمالي لبنان، الزيارات الصينية باعتبارها لـ"تحديد النطاق"، وتقول إنَّ لبنان سيُقدِّم كل دراسات الجدوى إذا عبَّروا عن اهتمامٍ أكبر.

ويرغب المسؤولون اللبنانيون في جذب استثماراتٍ إلى طرابلس، ثاني مدن لبنان من حيث عدد السكان، التي تُعَد واحدةً من أكثر المناطق فقراً وإهمالاً في البلاد.

وقد تصبح طرابلس التي تقع بشمالي لبنان طريقاً مباشراً لبعض أكثر المناطق السورية تدميراً، مثل مدينة حمص الواقعة بوسط سوريا، التي بدأت منها الثورة المُسلَّحة ضد الأسد.

ويقول المسؤولون الإنسانيون الذين يدرسون خيارات إعادة الإعمار، إنَّ ميناء طرابلس أعمق من مينائي طرطوس واللاذقية في سوريا، ويمكن أن يُوفِّر طريقاً سريعاً يتفادى الطرق السورية التي تشهد صداماتٍ بين الميليشيات.

ويسعى لبنان للحصول على تمويلٍ لمشروع بقيمة 58 مليار دولار لتوسيع وتعميق ميناء طرابلس. وهذا العام 2017، أرسلت الصين 6 رافعات جديدة من أجل البناء.

وقال مسؤولٌ في الأمم المتحدة: "من الناحية الاقتصادية، هذا ميناءٌ لسوريا... فلا يمكنك بناء سوريا دون طرابلس. وكان جزءٌ من الفهم الدولي لهذه الحرب هو أنَّ لبنان، وتماماً كما عانى جرَّاء الحرب السورية، فإنَّه سيستفيد من الإعمار كما تستفيد سوريا".

 

ما الذي صدم الصينيين؟

إنَّ الحواجز لا تزال قائمة أمام الاستثمار الصيني المستدام.

وفي هذا الإطار قال رجل أعمال لبناني، يعمل مع شركاتٍ صينية في المنطقة، إنَّ نظراءه الصينيين لا يفهمون نظام لبنان السياسي الطائفي المُعقَّد، وصُدِموا من مستوى الفساد.

وأضاف أنَّهم اتصلوا به مندهشين، حين ذهبت مناقصة إلى شركةٍ شعروا أنَّها بوضوحٍ لم تكن صاحبة أفضل عطاء.

وبدا أنَّ المسؤولين اللبنانيين الذين التقوا الوفود قد عانوا أيضاً في ظل ثقافةٍ ولغةٍ جديدة، وخضعوا لاختبارٍ في تذكُّر أسماء رجال الأعمال الصينيين الزائرين.

وبحسب بيانٍ صحفي لمصرف فرنسبنك، فقد تضمَّنت الشركات التي قامت بزيارة، شهر مايو/أيار 2017، كلاً من شركة فانكه، أكبر مُطوِّر عقاري في الصين، وشركة هيتيرا كوميونيكيشنز، أكبر مُصنِّع للراديو المحمول هناك، وشركة تي سي إل، أكبر مُصنِّع للتلفزيونات في البلاد.

واعترف سياسي لبناني رافق آخر وفدٍ صيني، أنَّ مواطني بلاده كانوا عموماً أكثر اعتياداً على التعامل مع الشركات الغربية والروسية، لكنَّه قال إنَّ لبنان حريصٌ على التواصل مع الصين.

وعند سؤاله عمَّا إذا كان يشعر بالأمل حيال المستقبل، قال: "أنا متفائل بشأنهم (الصينيين). لكنَّني لستُ متفائلاً بشأن اللبنانيين".

اتصل بنا

للمزيد من المعلومات اتصل بنا:

+961 1 981 561   -    +961 1 981 566